محمد متولي الشعراوي
1868
تفسير الشعراوى
ونعرف أن « الصدق » هو أن يوافق القول الواقع ، والواقع في القضية الإيمانية نية في القلب وحركة تثبت الإيمان ، أما المنافقون فلسانهم لا يوافق قلبهم ، فلما كان ما في القلب مستورا ثم ظهر إلى الجوارح انكشفوا . وهذا هو السبب في أنهم كانوا أقرب إلى الكفر ، « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ » وهذا لون من نقص التصور الإيمانى في القلب ، كأنهم يعاملون اللّه كما يعاملون البشر مثلهم . وبعد ذلك يقول الحق : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) فعندما أراد ابن أبىّ أن يخذّل الجيش ، وافقه بعض المنافقين ولم يوافقه البعض . هؤلاء الذين خرجوا للقتال والجهاد ولم يوافقوهم ثم قتلوا فرحوا فيهم ، وقالوا : لو كانوا أطاعونا ومكثوا في المدينة ولم يخرجوا لما انهزموا ولما قتلوا ، وكأن الحق يوضح لنا أسلوبهم ؛ لذلك سنأخذهم من منطقهم . . هم قعدوا وقالوا عن إخوانهم الذين قتلوا في المعركة والذين هم من جماعتهم : « لَوْ أَطاعُونا » كأن قولا صدر منهم : « أن اقعدوا » ولكن القوم الآخرين الذين هم أقل نفاقا . لم يطاوعوهم وخرجوا ، فحدث لهم ما حدث . فكيف يرد اللّه على هذه ؟ انظروا إلى الرد الجميل : أنتم تقولون : « لَوْ أَطاعُونا » ، فكأن طاعتكم كانت وسيلة لسلامتهم من القتل . إذن فأنتم تعرفون طريق السلامة من القتل . والذي يعرف طريق السلامة من القتل هل يعرف طريق السلامة من الموت ؟ ولذلك يقول الحق سخرية بهم : « فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » وفي ذلك رد عليهم من كلامهم « لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا » .